جيوسياسية الخنادق : من كربلاء الموقف إلى طوفان المواجهة

بغداد : د سلام عودة المالكي
في المنعطفات الكبرى من عمر البشرية، تتمايز الصفوف وتتوارى الحلول الوسطى خلف غبار المعارك الوجودية. إن ما يشهده العالم اليوم من مواجهة محتدمة بين محور المقاومة —بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران— وبين التحالف "صهيوأمريكي"، ليس مجرد صراع نفوذ إقليمي، بل هو زلزال يعيد ترتيب الوجود على قاعدة "الفسطاطين". هي اللحظة التي يستعيد فيها الواقع صدى الصرخة النبوية يوم الأحزاب: "برز الإيمان كله للشرك كله"؛ حيث لا مكان للمناطق الرمادية، وحيث يصبح الحياد في معركة الحق تواطؤاً مضمراً، وانتحاراً سياسياً مؤجلاً، فنحن أمام مواجهة وجودية تضع قيم الأمة ومستقبلها في كفة وغطرسة الاستكبار العالمي في كفة أخرى.
محور المقاومة: استراتيجية "وحدة الساحات" وتحطيم الردع
لم يعد محور المقاومة مجرد تحالف سياسي، بل بات يمتلك أدوات الردع الاستراتيجي التي أطاحت نظريات الأمن القومي الصهيوني.
استراتيجية القوة لدى محور المقاومة:
1. سلاح المسيرات سلاح القتل الزهيد: عبر مسيرات "شاهد" و"صماد"، استطاع المحور اختراق أحدث المنظومات الدفاعية، محولاً التفوق الجوي الأمريكي إلى عبء تقني ومالي، ومحولاً العمق الصهيوني إلى ساحة مكشوفة بأقل ثمن ممكن.
2. الترسانة الباليستية: انتقل التوازن من "صواريخ الإزعاج" إلى "صواريخ الحسم" الدقيقة. إن امتلاك المحور لمئات الآلاف من الصواريخ المهيأة للانطلاق من لبنان واليمن والعراق وإيران، فرض "معادلة الرعب" التي شلّت قدرة العدو على المبادرة.
3. خنق الشرايين الجيوسياسية: أثبتت معارك البحر الأحمر أثناء حرب طوفان الأقصى أن المحور يمتلك "مفتاح التجارة العالمية"، حيث تحول الحصار من أداة ضد المقاومة إلى خناق يلتف حول عنق الاقتصاد الصهيوني.
4. تكامل الساحات: لأول مرة في تاريخ الصراع تتوحد الجبهات من طهران إلى بغداد وصولاً إلى بيروت هذا "التشابك المصيري" جعل العدو يواجه جبهة ممتدة لا يمكن الاستفراد بأطرافها، مما افشل استراتيجية الحرب الخاطفة.
5. استنزاف الهيمنة: نجحت إيران وحلفاؤها في تحويل "التفوق التكنولوجي" الأمريكي والإسرائيلي إلى عبء مادي وأخلاقي، عبر تطوير سلاح المسيرات والصواريخ الدقيقة وحرب العصابات المتطورة، مما كسر هيبة "الجيش الذي لا يقهر".
6. الاستقلال الاستراتيجي: يمثل المحور خروجاً عن طاعة "النظام العالمي" الذي تقوده واشنطن، مما يجعله الخندق الوحيد الذي يرفض التبعية، ويفرض "معادلة الند للند" في مفاوضات القوة والسياسة.
استحضار التاريخ: لعنة التخاذل وسكين "مصعب"
1. يُعيد التاريخ إنتاج مآسيه لمن لم يفهم دروسه؛ فالتخاذل لم يكن يوماً طوق نجاة، بل هو "صك ذبح" مؤجل: مأساة أصحاب المختار: حين ركن الآلاف لوعود "مصعب بن الزبير" بالأمان ووضعوا سلاحهم، لم يشفع لهم حيادهم، بل ذُبحوا صبراً في مشهد يثبت أن العدو لا يحترم المستسلمين، بل يستبيحهم.
2. قانون "الثور الأبيض": سقطت حواضر الأندلس لأن ملوكها ظنوا أن التفرج على سقوط "الجار" سيحمي "الدار". واليوم، كل نظام يظن أن النأي بنفسه عن خندق المواجهة سينجيه، إنما ينتظر دوره في "المسلخ الاستعماري" الذي لا يشبع.
ميزان القُوَى: سقوط الأسطورة الصهيونية
أول مرة منذ النكبة، يجد الكيان نفسه محاصراً بـ"طوق من نار" يمتد لآلاف الكيلومترات. إن نزوح المستوطنين، وانهيار الميزان التجاري، والتآكل الداخلي، كلها إشارات رقمية على أن "خندق الباطل" يتداعى بنيانياً، بينما يزداد "خندق الحق" تماسكاً تحت ضغط المواجهة، صانعاً فجراً جديداً للأمة بعيداً عن التبعية.
الخاتمة: الفرز العظيم وحتمية الانتصار
إننا نعيش زمن "الفرز العظيم"؛ فإما الانحياز لخندق الكرامة الذي تمثله المقاومة، أو الانزلاق إلى خندق التبعية الذي يقوده الاستكبار. لا عزاء للمتخاذلين الذين يراهنون على "سراب الوعود"؛ فالدور قادم عليهم، وسيذبحون بسكين صمتهم قبل سيوف أعدائهم.
إنها معركة الحق المطلق ضد الباطل المحتشد، وسينتصر خندق الإسلام لأن سنن التاريخ تؤكد أن "الباطل كان زهوقاً".
فليختار كل امرئ خندقه
… فالتاريخ لا يكتبه إلا الرماة.

